العودة للمدونة

كيف يفكّر إبليس؟

من أشهر القصص، ومن القرآن نفسه: لما الله خلق الإنسان وسخّر الملائكة إله، واحد منهم تمرّد وما قبل يطيع الأمر. هاد كان إبليس. قال: ما رح اسجد لآدم، هو مخلوق من طين وأنا من نار. يعني آدم أقل مني، فليش لأسجدله؟

القصة ظريفة وفيها رمزية مهمة، سواء كنت ملحد أو مؤمن. ومو مهم ناخدها بحرفيتها. المهم إنه فينا ناخد منها شقّين بيشرحوا شو يعني "الشيطان"، أو شو هو الشي الشيطاني اللي جوّانا: كيف منتصرف، وكيف منفكر، وكيف منشوف الأمور.

الشق الأول: التكبّر والمقارنة

الفكر الشيطاني دايماً بيلاقي قيمته من تعيير غيره. عنده تمييز: هاد هيك وأنا هيك، فأنا أحسن من هاد أو هداك. ومن هون بتبلش الأنا، أو الإيجو، ومعها الغرور والتكبّر.

مو غلط أبداً نميّز ونعرف قيمتنا. الغلط إنه ننسحر فيها وناخدها زيادة، ونطلع باستنتاج إنه أنا بالمحصلة أفضل. وهالشي بيأذينا نحنا كمان، لأننا منكون عم نحدد نفسنا بنفس الطريقة اللي حددنا فيها غيرنا وعيّرناه. وبيجي يوم بينقلب علينا بدون ما نحس.

بيت بغرفتين وبيت بأربع غرف

تخيّل إنك مبسوط بحالك: عندك بيت بغرفتين، وكعكتين بخيط، وسيارة. بتزور رفيقك بعد انقطاع طويل، بتلاقي عنده بيت بأربع غرف وحديقة، ويمكن سيارته أحدث، وعنده شوفير كمان. طبيعي تحس حالك قد الكمشة وتنكسر شوكتك، وهو لسا ما عيّرك ولا حدا مسّك.

اللي انقلب عليك هو عقلك نفسه. طريقة التفكير اللي كانت تسعدك صارت مصدر تعاستك، بدون ما حدا يتكبّر عليك أو يقلك كلمة ما بتحبها. لهيك انتبه لا تنسحر كتير بالظاهر، بمين انت وشو عندك. هاد من أكتر المشاكل شيوعاً عند الإنسان: سم جوّاته بيدمّره وهو مو حاسس.

الشق التاني: نسيان الأصل

إبليس ما انسحر بالظاهر وعيّر وقارن وبس. مشكلته التانية إنه نسي أصل الأمور: إنه الطين والنار والهوا والمي كلّن من مصدر واحد، طاقة وحدة نحنا منسمّيها الله. ما منقدر نشوفها بعيوننا، بس منعرف إنها أساس هالكون، وإنه الكون بيفرط من دونها.

وحتى العلم صار يقرّ، بخجل، إنه في شي كبير ما عم يفهمه. بدل ما يقول "في شي خفي ما بعرفه"، عطى الظاهرة اسم علمي. العلماء لاحظوا إنه حوالي ٩٥٪ من محتوى الكون شي ما منشوفه مباشرة، بس منشوف أثره على حركة النجوم والمجرّات، وسمّوه المادة المظلمة والطاقة المظلمة. "مظلمة" لأنه لهلأ ما حدا بيعرف شو هي بالضبط. ما عم قول إنه العلم أثبت شي عن الله، بس لفتني إنه حتى العلم صار يعترف إنه في شي ما عم نقدر نشوفه أو نفهمه.

الفكر الشيطاني بينسحر بالظاهر وبينسى إنه نحنا كلنا من مكان واحد، منجي منه ومنرجع إله بالآخر، شئنا أم أبينا. بالواقع كلنا إخوة وأحباب. بس هالفكر اللي جوّانا بيوقّعنا بالفخ، فمنبني حدود وحواجز وهمية بيناتنا بتفرّقنا وبتشتتنا عالفاضي. ما بتنفعنا بشي، ومع هيك منتعلّق فيها، لأنها بتعطينا شعور "الأنا"، كيان خاص فينا ببالنا.

ليش الحب صعب هالأيام؟

لأن الحب بيكسر هالحواجز، وبيكسر الأنا اللي جوّاك. وهاد أصعب شي عند الإنسان: إنه يتخطى حواجزه النفسية ويتواصل فعلاً مع غيره. لهيك منقول "الحب أعمى"، ولما حدا يحب منقول "وقع" وما حدا سمّى عليه، وكأنها مصيبة.

الأنا عندنا أهم شي، فوق الكل. ولما يجي شي متل الحب ويطلّعك منها لتتوحد مع إنسان تاني وتتناغم معه، الأنا بتحس إنها عم توقع وتضعف. ومن هون منوصل لواحد من أقوى الحلول للفكر الشيطاني، للتكبّر والمقارنة ولغفلتنا عن أصلنا وروحنا، وهو الحب.

استثمر بالحب

الإنسان الذكي برأيي هو اللي بيستثمر بأي شي فيه محبة: بشغله، بعلاقاته، بطريقة حياته. لما القلب يرجع ينبض بالحب، العقل بيهدا، وببطّل يجيبلك قلق وخوف وحقد وكره لأي حدا، حتى لنفسك.

العلوم الحديثة بتحكي عن "الذكاء العاطفي" (Emotional Intelligence)، يعني إنك تفهم مشاعرك ومشاعر غيرك وتعرف تتعامل معها. أنا بشوفه ذكاء حسّي فطري، رباني، بيخلّي حياتنا أسلس وأحلى، ومو على حساب حدا. بالعكس، بتصير تنبسط لما تقدّم شي يفيد غيرك، بدل ما تستغله أو تأذيه أو تطلع على كتافه.

فإذا بدك تمشي صح بحياتك، بتناغم وتوازن، استثمر بالحب. واعرف إنه غيابه عن حياتك أكبر خسارة، ودليل إنك عم تمشي باتجاه الفكر السلبي الشيطاني، اللي رح يدمّرك انت قبل ما يدمّر أي حدا تاني.

وإذا بدك تجرّب شي من اليوم: انتبه لكل مرة بتلاقي حالك عم تقارن حالك بحدا، من فوق أو من تحت. ما تحاول توقّفها، بس قول بقلبك: "هاي الأنا". ومرة بالنهار، اعمل شي صغير لحدا بدون ما تستنى منه شي.