هذه الصورة ليست محض الصدفة!
الصورة التي انتشرت مؤخراً لميسي في عام 2007 وهو يحمم الطفل الرضيع لامين يامال، واللذان سيلتقيان غداً في نهائي كأس العالم.. هل هي فعلاً مجرد صدفة؟ أم ظاهرة روحية غريبة؟ مباركة من ميسي؟ أو نوع من "العمادة" الكروية؟
بعيداً عن نظريات المؤامرات الكونية واحتمالات التلاعب، وحتى بعيداً عن ضربات الحظ، هناك جانب كبير ومهم ومنطقي يفسر هذه الظاهرة، ويتعلق بعدة عوامل لا علاقة للصدفة بها.
1. البيئة الخصبة واحتضان الأهل
السبب الأول والأهم برأيي هو سعي الأهل الدؤوب لتأمين البيئة الحاضنة والمناسبة لابنهم. هم يسكنون في مقاطعة كتالونيا، قريبون جداً من أجواء نادي برشلونة. اهتموا منذ البداية بوضعه في هذا المناخ، وجعلوه يشارك في سحب خيري برعاية اليونيسيف لالتقاط صورة مع أحد لاعبي الفريق، وصادف أن ميسي هو من تواجد في تلك الصورة. لاحقاً، وعندما كبر الطفل وبدأ شغفه يظهر، استغلت والدته عملها في أحد المطاعم وعبر شبكة معارفها، تمكنت من إدخاله ليتدرب في نادٍ محلي صغير دون تكاليف.
هذا الدور الذي يلعبه الأهل هو حجر الأساس. الأمر يشبه تماماً سعي الأب لتوفير الأدوات المناسبة لطفل في السادسة أو السابعة من عمره لتنمية مداركه واستكشاف مواهبه.. سواء كان ذلك شغفاً بالرياضة، أو توفير مجموعات العلوم، وأدوات الرسم، وألعاب التركيب والميكانيكا المعقدة التي تبني عقله. البيئة التي نضع فيها أطفالنا ونغذي بها فضولهم هي التي ترسم ملامح مستقبلهم.
2. الدافع المعنوي وبرمجة العقل الباطن
تخيل أنك طفل تكبر في برشلونة، وتبدأ بتأسيس نفسك كلاعب، وفي ناديك المحلي يتواجد ميسي وهو في قمة مجده، حديث البلد والعالم. وأنت تملك صورة معه يحملك فيها عندما كنت رضيعاً!
هذا يخلق رابطاً كبيراً ومباشراً بينكما ويعطيك دافعاً معنوياً هائلاً وخصوصية فريدة. منذ صغرك، تبدأ بتغذية عقلك الباطن بفكرة أن "القدر اختارني لألعب مكان ميسي يوماً ما وأكون خليفته في نادي مدينتي". هذا الإيمان الذاتي يولد طاقة لا يمكن إيقافها.
3. تأثير الدومينو وقيمة العمل
نحن نرى الأمور في نهاياتها وكأنها صدفة غريبة، لكن تسلسل الأحداث في غاية المنطقية. طبعاً لا نغفل موهبة الشاب وعمله الجاد على نفسه، لكن لو غاب أي عنصر من هذه السلسلة، لما كان للصورة أي معنى.
تخيل لو أن ميسي نفسه لم يشتغل على نفسه ويجتهد ليستمر في نجاحه الأسطوري بعد عام 2007، واختفى مثلاً بسبب إصابة أو أي ظرف آخر.. هل كانت تلك الصورة ستعني ليامال أي شيء؟ ربما كان سيراها صورة عادية جداً، وربما لم تكن لتلهمه لعب كرة القدم من الأساس!
الخلاصة: نحن من نصنع قيمة الأحداث
في النهاية، نحن من نصنع الصور ونحن من نمنح الأحداث قيمتها، وليس العكس.
لا يوجد شيء اعتباطي؛ كل شيء مرتبط ببعضه كأحجار الدومينو. كل خيار نتخذه يغير مسار حياتنا وحياة أولادنا. أين نحن الآن، ما الذي نحبه، وكم نشتغل على أنفسنا وتطوير مهاراتنا.. كل هذه عوامل تتراكم لتصنع في النهاية قيمة حقيقية للشيء الذي نراه ونحتفي به اليوم (وإلا لكانت مجرد صورة لشخص يحمم طفلاً، لا أكثر).
لهذا السبب، من الضروري جداً أن نختار بوعي، ونحافظ على حضور أذهاننا وصفائها، لكي نتمكن من التقاط الفرص وصناعة الأحداث التي لا تؤثر علينا فحسب.. بل قد تلهم وتغير مسار أجيال كاملة.
