لا تعش كروبوت عند غيرك! قصة من أروقة جوجل عن فخ "المهنية"
في أحد الأيام، وأثناء عملي في شركة Google هنا في دبلن، قررت الإدارة فجأة إجراء مراجعة للجودة (Quality Review). كلفوا إحدى الزميلات بوضع معايير وقواعد تحدد كيف يجب أن تكون إيميلاتنا وتواصلنا مع العملاء. وهؤلاء العملاء لم يكونوا مجرد أرقام، بل أشخاص يرتزقون فعلياً عبر جوجل؛ من صناع محتوى (يوتيوبرز)، وأصحاب مدونات، وبلوغرز، وغيرهم.
وكبداية لهذه الخطة، قرروا أن يبدأوا بي لتقييم عملي. للأمانة، كانت الشركة تمنحنا مساحة واسعة للتصرف بحرية، وكانت هذه من أجمل المزايا (إلى جانب المطاعم المجانية والجيم وغيرها). لكن فجأة، أرادوا فرض قوالب ومعايير صارمة.
"أنت عاطفي بزيادة.. خليك بروفيشينال!"
رغم أنني كنت الشخص الذي يحقق أعلى معدلات رضا العملاء (Customer Satisfaction) في كل مكاتب جوجل—ليس في أيرلندا فقط، بل في أوروبا، وأمريكا، واليابان، في قسم الإعلانات—وكانت نسبة الرضا عن عملي تتراوح دائماً بين 95% إلى 98% بعد مئات الإيميلات والتعاملات مع زبائننا وشركائنا، إلا أن المفاجأة كانت بانتظاري.
الموظفة التي وضعت تلك المعايير الجديدة (من بنات أفكارها طبعاً)، اعتبرتني الأسوأ في اتباعها! أعطتني بعض الملاحظات، لكن الملاحظة التي لفتت انتباهي وأثرت على تقييمها لي كانت: "أنت عاطفي بزيادة في ردك وتعاملك مع الزبائن.. خذ خطوة للوراء وبلا هذه العاطفة".
بعبارة أخرى، كانت تقول: "خليك بروفيشينال، متماسك، وبلا نياطة ومشاعر وتعاطف". هي لم تقلها بهذا اللفظ، لكنني أترجم لك ما يدور في عقلها وعقول الكثير من الأنظمة الغربية للأسف. يريدون أشخاصاً ميتين من الداخل.. روبوتات تمشي على "التكة" بصرامة تامة دون أي جانب إنساني حقيقي. ممنوع أن تتصرف بعفويتك وبما تشعر به حقاً. فحتى "الإحساس" يريدون وضعه ضمن سياسات وقواعد (Policies) معينة، بدل أن تعيشه بصدق!
اللحظة التي قررت فيها الانسحاب
لم تستوعب تلك الموظفة—التي نالت هذا المنصب فقط لأقدميتها—أن نمطي العفوي، وعاطفتي، وتفهمي الحقيقي للعملاء، هي بالضبط الأسباب التي جعلتني أتصدر أعلى التقييمات وأكسب ثقة الزبائن (بنسبة تفوقها هي شخصياً).
منذ تلك اللحظة، دق ناقوس الخطر في داخلي (صار عندي تريغر). أدركت أنني لا أريد أن أكون جزءاً من كل هذه الشركات، وبدأت أنسحب تدريجياً من العمل التقليدي، حتى لو كان مع أفضل شركات العالم. حريتي، وإحساسي، وكوني "أنا"، أمور أثمن بكثير من أن أضحي بها لأصبح مجرد روبوت أو "شقفة عبد" ينفذ الأوامر عند غيره، مهما كان الثمن!
مشكلة الأنظمة مع "القلب"
هذه القصة الصغيرة أردت أن أستخلص منها عبرة: العالم، شرقاً وغرباً، لديه مشكلة حقيقية مع "القلب"! الأنظمة دائماً تعطي الأفضلية للعقل والقوالب الجامدة على حساب المشاعر والإحساس الحقيقي بالآخرين.
لماذا؟ لأن الحب والإحساس يكسران كل القوالب في ثانية واحدة! بلحظة صدق، يمكن أن تخلق تواصلاً حقيقياً (Connection) بينك وبين الآخر، حتى لو كنتم من بيئات مختلفة، أو ثقافات متضادة، أو حتى دول معادية لبعضها.
كل الأنظمة تذوب في اللحظة التي تحضر فيها المحبة والإحساس الصادق! وهذا أمر مغضوب عليه في عرف "المصفوفة" (Matrix) والبرمجة السائدة، لأن فيه نوعاً من التمرد الخفي، والتحرر، والفردية. الأنظمة تدرك قوة القلب، وتعرف أنه إذا استيقظ، فلن يقف بوجهه أي نظام في العالم، وهذا يهدد وجودها وسيطرتها.
كيف يحولونك إلى "طرطور"؟
لذلك، تحاول هذه الأنظمة أينما وُجدت—في الشركات، أو الدول، أو حتى داخل العائلة—أن تقمع الإنسان من البداية. تخيفه، وتهدده، وترفضه، لكي يكره نفسه ويفقد ثقته بها. النتيجة؟ يصبح استعباده وانقياده أسهل بكثير.. وبالمشرمحي يصبح "طرطوراً" وحجراً بيد غيره!
بالطبع، لن يقولوا لك ذلك بشكل مباشر. لن يقولوا: "كن عبداً، واسمع الكلمة واسكت حتى لو كانت سياساتنا غبية". بل سيغلفونها بمسميات رنانة: "اتبع معايير الجودة، خليك مهني، بروفيشينال، كن لاعب فريق (Teamwork) يضحي بنفسه من أجل الجماعة"... إلى آخر هذا "العلاك" الفارغ.
وحينها، إذا تخلصت من فرديتك وشخصيتك ووضعتها جانباً، فقد يتفضلون عليك بالترقية والتكريم.
رسالتي لك: ابحث عن الأصل
رسالتي هي العكس تماماً! لا تضحي بإنسانيتك، وبلا من أن تكون "بروفيشينال" إذا كان الثمن روحك. ابقَ حقيقياً، ودع إحساسك موجوداً دائماً، وحينها ستفعل الصواب رغماً عن أكبر منظومة! لأن الإحساس هو أثمن ما نملك، وهو أهم من أي نظام ومهنية مصطنعة.
في الواقع، كل هذه المعايير الجامدة تنبع في أصلها من القلب والإحساس الطبيعي، لكنهم للأسف حولوها إلى قوانين جامدة بدل أن يشجعوا الناس على ممارستها بعفوية وفهم. هكذا تُقتل الروح، ويختفي الإبداع والشغف تدريجياً.
لذلك أقول لك: دور عالأصل!
لا تفعل شيئاً صناعياً (Fake) فقط لتبدو بمظهر جيد ولطيف من الخارج، لأن هذا هو الفساد بعينه. الأنظمة وُجدت لخدمة قلوبنا وأحاسيسنا لنعيش تجربة جميلة، وليس العكس! وإلا، فهذا ظلم كبير تحت شعارات رنانة لا تفيد أحداً، تعيش فيها الأنظمة ويموت فيها الفرد على الفاضي.
نحن في عصر الذكاء الاصطناعي.. لا تنافس الآلة!
في عصر الذكاء الاصطناعي (AI)، والتكنولوجيا، والسوشيال ميديا، نحن بأمس الحاجة لقلوبنا ومشاعرنا العفوية الحقيقية!
إذا فقدت إحساسك، فستجد نفسك ببساطة تنافس الـ AI والروبوتات التي بدأت هذه الشركات تصنعها لتستبدلك بها. حينها، لن تكون قد خسرت قلبك وإحساسك بالحياة فحسب، بل ستصبح "روبوتاً درجة ثانية"، لأنه لن يكون بوسعك التفوق على التكنولوجيا مهما تصنعت ونافقت وعصرت نفسك.
فاعمل معروفاً، وابقَ إنساناً بكامل أخطائك وعيوبك.. وأنا سأكون معك، حتى لو لم يتقبلك أحد.
